محمد بن علي الشوكاني
5379
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ويطلق الحلم أيضًا على ترك الطيش ، وتجنب أسباب الحمق على اختلاف أنواعها ، وإن لم يكن هناك سبب من الأسباب المقتضية للجزع ، فمادة اجتماع الصبر والحلم هي حيث يكون سبب من أسباب الجزع ، فيتلقاه الإنسان بالصبر اختيارا ، ويكون ذلك على هيئة فيها سكون وأناة وطمأنينة ، فإنه يقال لهذا صابر حليم ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال الخطابي : الحليم : هو ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ، ولا جهل جاهل ، ولا عصيان عاص ، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة ، المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة . . . فإن قيل : فكيف يتضمن الحلم الأناة ، وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأشج عبد القيس : " إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة " فعددهما ، فاعلم أن الأناة قد تكون مع عدم الحلم ، ولا يصح الحلم أبدا إلا مع الأناة ، والأناة ترك العجلة ، فقد تكون لعارض يعرض ، ولا يكون الحلم أبدا إلا مشتملا على الأناة متأملة ، وكذلك لا يكون الحليم إلا حكيما واضعا للأمور مواضعها ، عالما قادرا فإن لم يكن قادرا كان حلمه ملتبسا بالعجز والوهن والضعيف ، وإن لم يكن عالما كان تركه الانتقام للجهل ، وإن لم يكن حكيما فربما كان حلمه من السفه وتتبع أمثال هذا ، فإذا علمت أن هذا الاسم يدل على صفات وأحوال وأفعال وترك وتوقيت فقد يظهر من ذلك على المسمى به وصف جملي وقال أصحاب النقل : اختلف الناس في وجه وصف الباري بالحلم على ثلاثة أقوال : الأول : أنه عبارة عن نفي الطيش والسفه وكل ما يضاد الخلق المحمود الذي هو الصبر والثبات في الأمور ، وعلى هذا يكون وصفا للذات ، سلبيا لتقدس ذاته عن النقائض واستبدادها بالكمال الخالص . الثاني : أنه من صفات الأفعال يجري مجرى الإحسان والإفضال . الثالث : أنه إرادة تأخير العقوبة ، قال تعالى : { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } [ يونس : 11 ] . وانظر : " الأسني في شرح أسماء الله الحسنى " ( 1 / 95 - 96 ) .